ابن عبد البر
171
الدرر في اختصار المغازي والسير
وأقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة بقية شوّال وذا القعدة وذا الحجة والمحرّم ، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر في آخر تمام السنة الثالثة من الهجرة ، على رأس أربعة . أشهر من أحد . وكان سبب ذلك أن أبا براء « 1 » الكلابي من بنى كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - ويعرف بملاعب الأسنة واسمه عامر بن مالك / بن جعفر بن كلاب - وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الإسلام ، فلم يسلم ولم يبعد ، وقال : يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك . فقال عليه السلام : إني أخشى عليهم أهل نجد ، فقال أبو براء : أنا لهم جار . فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المنذر بن عمرو السّاعدى - وهو الذي يعرف بالمعنق « 2 » ليموت : لقب غلب عليه ، والأكثر يقولون : أعنق ليموت - في أربعين رجلا من المسلمين ، وقد قيل في سبعين رجلا من خيار المسلمين ، منهم الحارث بن الصّمّة ، وحرام بن ملحان - أخو أم سليم « 3 » وأم حرام « 4 » - وعروة بن أسماء بن الصّلت السّلمى ، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصّدّيق . وأمّر على جميعهم المنذر بن عمرو . فنهضوا حتى نزلوا بئر معونة - بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم وهي إلى حرّة بنى سليم أقرب - ثم بعثوا منها حرام بن ملحان بكتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عدو اللّه عامر ابن الطّفيل . فلما أتاه لم ينظر في كتابه ، حتى عدا عليه فقتله . ثم استصرخ عليهم بنى عامر ، فأبوا أن يجيبوه ، وقالوا : لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا . فاستصرخ قبائل من بنى سليم : عصيّة ورعلا وذكوان ، فأجابوه إلى ذلك . فخرجوا حتى غشوا القوم / فأحاطوا بهم في رحالهم . فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوا ، حتى قتلوا عن آخرهم « 5 » إلا كعب ابن زيد أخا بنى دينار بن النجار ، فإنهم تركوه وبه رمق . وارتثّ « 6 » من بين القتلى وعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا رحمه اللّه .
--> ( 1 ) كان من فرسان قومه وشجعانهم وهو عم عامر بن الطفيل . ( 2 ) المعنق : المسرع : لقب بذلك لمسارعته إلى الشهادة . ( 3 ) هي أم انس بن مالك . ( 4 ) هي زوجة عبادة بن الصامت ( 5 ) انظر فيمن استشهدوا يوم بئر معونة ابن سيد الناس 2 / 46 . ( 6 ) ارتث : حمل من المعركة جريحا .